Direkt zum Inhalt | Direkt zur Navigation

S. Mandour, قصة الأمس

Orient-Institut Studies 2 (2013)

سحر مندور

" قصة الأمس "


<1>

اليوم نهارٌ يقفز فوق صفيحٍ ساخن .
نصفه يحتفي بالشرطة، ونصفه يعبّر عن غضبه من أدائها .
اليوم، 25 يناير 2011 ، هو " يوم الغضب " المصري .
واليوم، 25 يناير، هو " عيد الشرطة " المصرية .
تكفي قراءةُ صحفِ نهارٍ واحد للتفرّج على المشهد كاملاً . والصحافة المكتوبة، بشكل عام، تروي قصة الأمس .
ففي 25 يناير 2011 ، تابعت الصحف القومية أمساً حلّ في 14 أكتوبر 1981 ، يوم عيّن نائب الرئيس حسني مبارك رئيساً لجمهورية مصر العربية، بموجب استفتاء شعبي، في وسط حالة الصدمة التي سادت إثر اغتيال الرئيس أنور السادات .

<2>

14 أكتوبر 1981 هو أمس الصحف القومية، إذاً .
أما أمس الصحف المستقلة فيحلّ الآن، في أقرب وقتٍ ممكنٍ، يغرز الأظافر متمسكاً بكل قصةٍ من قصص تلك السنوات المضنية التي يغفلها الخطاب الرسمي .. يتمسّك بها ليشدّ باتجاه نهارٍ مختلف .
فبدت الصحف المستقلة وكأنها تتدلى من شفتي هذا النهار .. بينما بدت الصحف القومية وكأنها تتفادى الالتقاء به، فلا تتوجه إليه بالكلام المباشر، وإنما تبعث له بالرسائل مواربةً، عبر وسيط خبري . إذ تقول جريدة " الجمهورية " مثلاً : " منظمات حقوقية تدين محاولات تشويه لمناسبات وطنية / وقفة تضامنية مع الشرطة أمام دار القضاء العالي ".

<3>

فهو نهارٌ يقفز فوق صفيحٍ ساخن .
نصفه يحتفي بالشرطة، ونصفه يعبّر عن غضبه من أدائها .
لم يَطرح يوم 6 أكتوبر 1981 ، هذا السؤال على سكّانه . استيقظوا وذهبوا إلى الحياة كما يعرفونها، فاغتيل رئيسٌ واغتيلت معه قصة، لتبدأ أخرى ظنّوها مؤقتة، وُعدوا بإنها انتقالية، دورة حكم أو اثنين، لا أكثر .. فاستمرت حتى ترسّخت وبدت كأنها هزمت الوقت، وباتت تنمو خارجه .
وبعد ثلاثين عاماً، ما عادت أيام الحكم تُقاس بعدد الدورات الانتخابية، وإنما بمدى تحسّن صحة الرئيس وتدهورها، كإمكانية وحيدة للتغيير . وعندما لاح أمل التغيير من وراء ستار البيولوجيا، ظهر الابن، الإستمرارية، اللا - نهاية، الانتفاء التام للغد .

<4>

في اليوم السابق لـ 25 يناير، غرق المواطن المصري في وحلٍ عكَس صورته عن نفسه . كان قد امتهن الاختباء من الغد، حتى نسيه . الغد أضحى الأمس، وهو أيضاً اليوم، وجهٌ يتكرر في كل صباح ليؤكد نهاية التغيير . وهو الوجه الذي ترتديه الصحف القومية .
لكن 25 قد حلّ، رآه المصري واختاره، أخرج غضبه من مخبأه، لم يسرّح شعره وعاطفته، لم ينتقِ أنقى الملابس والكلام، لكنه نزل إلى الشارع ليلاقي بقية شعبه كما هو . فاجأ نفسه قبل العالم، وكسر قيد الأمس، وطلب نهاية مختلفة لهذا اليوم . وصنعها .
صور ثورة الأيام الثمانية عشرة التي عاشتها مصر لا تُنسى .
بخفة ظلّها، بذكائها، بطلبها النقاء، بسلميتها، برقيها الحضاري، وبوجعها .
الصورة لم تكن كذلك، في اليوم السابق للخامس والعشرين .
الصورة كانت مختلفة تماماً .. قاتمة، مخنوقة، مهانة .

<5>

لكن، لا قصة أنور السادات انتهت باغتياله، ولا قصة حسني مبارك ولدت مع ترئيسه، ولا سياق الثورة استجد من خارج الحسبان .
فالثورة لحظة تقاطع السياقات . احتشدت، تكثّفت، حتى اندفعت بزخمٍ في اتجاهات مختلفة . وهكذا هي الاتجاهات التي تسلكها القصص . دائماً مستمرة، وما انقطاعها إلا حلقة فيها، وما اجتزاؤها في السرد إلا تطوّراً ضمن طبيعتها .

<6>

وهذاما تشهدعليه، بدقةٍوأمانة، صحفالخامس والعشرينمن يناير .

<7>

وقبل استعراض الدلالات التي قدّمتها هذه الصحف، تجدر الإشارة إلى أن الصحافة في مصر اليوم نوعان : " قومية " و " مستقلة ". وقد كانت جميعُها " خاصة " إلى حين تأميمها في زمن جمال عبد الناصر .
عندما سمح أنور السادات بتأسيس الأحزاب، أصبحت لهذه الأحزاب صحف . فبات للمصريين " صحفٌ قومية " هي تلك المؤممة، و " صحفٌ حزبية " هي تلك التي أصدرتها الأحزاب .
في زمن حسني مبارك، وبعد استفحال القمع، تمت الموافقة على إصدار صحف بترخيصٍ غير مصري، مثل جريدة " الدستور " التي صدرت بترخيصٍ قبرصيّ . وكمنت خدعة القمع في آلية منح الترخيص، إذ عوملت معاملة الصحف الأجنبية، بما ضمن سهولة إقفالها تحت صيغة : " المنع من دخول مصر ". وهو ما أصاب " الدستور " في العام 1998 ، بعد مرور 3 سنوات فقط على إصدارها .
في العام 2000 ، صدرت جريدة " صوت الأمة " كصحيفة خاصة وبترخيصٍ مصري . لا هي حزبية ولا هي قومية .. ومعها، ولد تعبير " صحيفة مستقلة " ، بمعنى إنها مستقلة عن الحكومة، وعن الأحزاب .
وتوالى بعد ذلك إصدار الصحف " المستقلة " ، بترخيص مصري، ومن أبرزها " المصري اليوم " (2004) ، ثم " الدستور " (2005) – الإصدار الثاني - فـ " الشروق " (2009) ، إلخ ..
أما الصحف القومية فأبرزها " الأهرام " ، " الأخبار " ، و " الجمهورية ".

<8>

وفي صباح 25 يناير، وقفت الصحف تماماً عند الحدّ الفاصل بين سياقٍ وآخر، لتستعرض مبرراتها في وجوب اعتماد واحد منهما، فكانت صحف الوضوح، ببطانها وظاهرها والبادي بين سطورها : إذ قدّمت الصحف المستقلة لائحة بأسباب الإحتقان، وبالإمكانيات التي يمكن للتغيير أن يسلكها بدءاً من اليوم، إذا ارتأى الشعب ذلك . وقد يبدو عنوان مقالة الرأي في " الشروق " للكاتب وائل قنديل معبّرة في هذا الاتجاه : "25 يناير .. لمن الكلمة اليوم؟ ".
أما الصحف القومية فتكررت على كافة صفحاتها، كافة الصفحات التي تخبر عن أحوال البلد وأوجه الحياة فيه، كلمات : " الإستقرار " ، " التطوير " ، " النجاح " ، " الاستمرار " ، " المعالجة " ، ... ومن العناوين التي لا تحوي هذه الكلمات : " مخطط القاهرة 35 يسهم في حل مشكلات العاصمة " ، " قرينة رئيس الغابون تشيد بجهود سوزان مبارك " ، " البرلمان الأورومتوسطي يستجيب لاقتراح مصر " ، " النجف المصري يكتسح السوق .. والصيني يتراجع " ، " رئيس الوزراء : 700 الف وظيفة سنوياً " ، "508 مليون جنيه أرباح .." ، " حلول لمشكلات المياه .." ، " القاهرة تحارب الأنفلونزا .." ، بالإضافة إلى " العلاقة بين المسلمين والأقباط قوية " ، حسبما يؤكد رئيس مجلس الشعب للوفد الأميركي والشعب المصري .

<9>

وفي هذا اليوم أيضاً، نشرت مجلة " الشرطة " بمناسبة عيدها، حديثاً مع السيد الرئيس نقلته عنها الصحف القومية كاملاً، علماً أنه حديثٌ في العموميات يمكن ألا يكون الرئيس قد أجراه حتى . وفيه، أكد ما أكدته كافة صفحات الصحف القومية، خطة عمل النظام : " الطريق الصحيح .. استكمال أركان الديمقراطية .. الاستثمار والعدالة واللامركزية .. والشرطة التي لم تنفصل يوماً عن معارك الوطن ".

<10>

بدا جلياً في هذا اليوم، أن التبشير بما كان فرضاً قد تكثّف . وحرصت الصحف القومية على ألا تجعل التبشير مباشراً، كي لا يبدو خطر الغضب مُلحّاً . وهو عيد الشرطة، يوم الفرح، وسيستغله البعض للمشاغبة . فلنحتفي بالسياق الذي تسلكه البلاد منذ ثلاثين عاماً، وستسلكه لاحقاً . وانظروا هناك، تلك الجريمة الطائفية التي هزّت البلاد، تفجير كنيسة القديسين، لا، لم يرتكبها مصري، وإنما فلسطيني .. " تنظيم إرهابي من 19 انتحارياً لتفجير دور العبادة " ، تقول مانشيت " الأهرام " ، وتلفت في التفاصيل إلى أن منفّذ العملية " ليس مصرياً على الإطلاق ". طبعاً، " على الإطلاق " ليست وصفاً ذا معنى، لكن اعذرونا، هي الراحة . راحة اكتشاف براءة العرق . لا توجد فتنة، لا نحتاج إلى علاج أو مراجعة، نحن أسوياء . هو " فلسطيني، عضو بتنظيم القاعدة ومرتبط بجيش الإسلام في غزة " ، مثلما شرح وزير الداخلية حبيب العادلي في " حديثه المهم ". " المهم " هذه، ليست توصيفاً صحافياً أيضاً لكن " الاهرام " استخدمتها، لأنه فعلاً حديث مهم ! لقد خصّ الوزير به " الأهرام " ، بينما أعلنت جميع الصحف الصادرة في هذا اليوم " حظر المدعي العام لنشر أي معلومات حول جريمة تفجير كنيسة القديسين ". المدعي العام يحظر، والوزير يحكي، وهذا سياقٌ يقود إلى ثورة . لكن انتبهوا، مع أن المجرم فلسطيني، إلا أن أبو مازن يؤيدنا، ويدين مريضه . فتقول " الأهرام ": " عقب استقبال الرئيس له، أبو مازن يتفهم الكشف عن تورط عناصر فلسطينية في الجريمة ". فلا تقعوا في الفخ، وتولوا اهتماماً لفضيحة " ويكيليكس " التي نشرتها " الجزيرة " حول الوفد الفلسطيني المفاوض، ومدى التنازلات التي قدّمها للمفاوض الإسرائيلي، على مستوى القدس والمستوطنات تحديداً . إنها مبالغات .. " الشروق " المغرضة تحكي في صفحتها الأولى عن " غضب فلسطيني من السلطة ومن " الجزيرة " أيضاً " ، وتكمل في صفحاتها الداخلية : " أزمة الجزيرة تعصف بالسلطة الفلسطينية ". تلك مبالغات تسعى للتشويه، تماماً كما التظاهرات في عيد الشرطة . أبو مازن رجل عقلاني .. والبلد يتجه إلى التطوير، وافتتاحية رئيس تحرير " الجمهورية " تؤكد ذلك، تحت عنوان : " الثقة والتهمّل والمواجهة " ، قبل أن يقدّم لقرّائه جريدة مثالية تحوي 7 صور للسيد الرئيس، في مختلف مراحل عمره، قبل بلوغ الصفحة الخامسة منها .

<11>

وهذا ليس مجتمعاً متخيلاً، لا مفر من وجود بعض المشاكل لمنحه مصداقية الوجود، لا أكثر .. لكنها مشاكل تتجه إلى حلّها . مثلاً، هؤلاء السكان الذين يستنكرون أن تصادر الدولة أراضيهم في منطقة الورّاق، لترسي مكان بيوتهم مشروعاً لتطوير شمال الجيزة، فيه حدائق، فيه متاجر، فيه سعادة .. اسمعوا شعارهم : " لا للترفيه، نعم للخدمات ". معهم حق، لا يمكن التطوير على حساب السكان، ولذلك نشرت " الأهرام " الخبر في صفحتها الأولى .. مراهنةً على أن السيد الوزير سيجترح مخرجاً . فقد أبلغوا المحافظ بشكواهم، واستمع المحافظ إلى شكواهم .

<12>

وهناك مشكلة أخرى مخصصة لقرّاء جريدة " الجمهورية " ، نشرتها على صفحتها الأولى، ضمن إطار بارز داخله صورة، وفي زاوية جريئة اسمها " ضد الحكومة " ، وتأتي فيها مشكلة اليوم : " المعاق عينوه معيداً في حلوان، وذهبت وظيفته لزميلته ". " المعاق " هي كلمة مهينة، لكن الخبر لم يتقصد الإهانة .. فالخبر يأسف لحال الشاب الذي واجه الصعاب وحقق نفسه حتى فاز بوظيفة في كلية، فسرقت منه لأنه شخص معوّق . وتأتي الشكوى المحقة مباشرةً تحت المانشيت التي تقول، في هذا اليوم : " مبارك : أنحاز للفقراء ولن أسمح بأعباء إضافية على المواطنين ".

<13>

وهكذا، تقول الصحف القومية : لقد احتشدت الأخبار في صفحاتي، وبت جريدة، حتى انتهت مساحاتي . المواطن المصري أولويتي . وأولويتي في النشر أحفظها للأفعال، وليس للتذمّر . التذمّر لا يبني مصر، ولا يحميها .

<14>

لكن سوء حظ الصحافة القومية جعلها تعتلي منبراً يجاوره آخر، فلا يكون كلامها وحيد الانتشار في الفضاء، صداه يتردد على مساحة الجمهورية . وهي ليست مسألة سوء حظ، بصراحة، وإنما أيضاً هي مسألة سياق .
كلفة ولادة الصحف المستقلة كانت مؤلمة، لكن الصحافيين المناضلين كانوا جاهزين لدفعها عن طيب خاطر . فأوجد النظام لنفسه فائدة من فتحها، وهي " منح " المواطنين حرية التعبير، وبالتالي التأكيد على مصداقية سياق الصحف القومية . وهكذا، تكون الجريدة المستقلة نبعاً أفضت إليه روافد الصحافة القومية، بطريقة أو بأخرى، علماً أن تلك القومية تشكّلت بدورها من صحف أساسها مستقل . وها هو ملحق " أخبار الأدب " الذي استقلّ بنفسه عن سياق الصحف القومية في زمن مبارك، وصنع لنفسه مساحةً تتحدّى الفكر السائد، ها هو يُجرّ اليوم إلى اصطبل الصحف القومية في زمن " الأخوان المسلمين " ، كقصاصٍ له على تمرّده السابق . ولن يكون في ذلك مقتله، ولن يكون ذلك إلا فصلاً من فصول قصته .. تماماً كما حكم " الأخوان " هو فصلٌ من فصول قصة مبارك، وتماماً كما قصة مبارك هي فصلٌ من فصول قصة " الأخوان ".

<15>

فماذاقالت الصحفالمستقلة عنذاك النهارالذي عاشتهالصحف القومية،كاستمرار مشرقمشرّف لأمسٍسعيد نزل،كمائدة منالسماء، منذثلاثين سنة؟

<16>

بينما كان وزير الداخلية يؤكد لـ " الأهرام " بجمع التفخيم " سنحمي أي تجمعات تلتزم بالتعبير عن الرأي فقط " ، كانت " الشروق " ترصد في مانشيتها أن " الشرطة تنشر عناصرها السرية بين المتظاهرين وتغلق العاصمة " ، وتورد في صفحتها الداخلية تفاصيل " خطة الهجوم والدفاع في يوم الغضب ". أما خطة عملها العريضة كجريدة فقد أعلنتها بكلمتين صريحتين على رأس صفحتها الأولى : " يوم الغضب ". وقدّمت كل ما يحيط به من معلومات وأسئلة وآمال للقارئ المواطن المتظاهر، في تسلسل يطمح لجعله كذلك . ولم لا، طالما " الداخلية تستعد في العاصمة بثلاثة آلاف جندي وألف شرطي سري .. و 6 أبريل ترد بـ 15 ألف منشور جديد " ، و " المحافظات تترقب تظاهرات يوم غضب المعارضة " ، وهناك " وقفة أمام السفارة المصرية في لندن " ، بينما " السلفيون يمتنعون ". وعلى فكرة، " الوثائق تظهر مدى اليأس الفلسطيني " ، فلا يبالغن أحدٌ في الاحتفاء بحليفٍ فاسد منهك . كما أن " جدل الحدث التونسي وأجراسه " هو محور صفحة الرأي، كما الأخبار العربية، كما المقالات التحليلية الذي تسعى لتخيّل هذا النهار
وفي المقابل، وعلى الأرض اليومية، فإن " وزير التربية يساومنا لإلغاء قرار " ، و " وقفة احتجاجية للنقابة المستقلة " ، و " اشتباكات بين الأمن والطلبة في بنها " ، و " إضراب الأطباء في طنطا " ، ... هذا هو سياقنا، فساد وامتعاض داخليين، يضافان إلى نقد فساد الحلفاء واشتهاء ثورة الجارة، ليفضي إلى عيون فاغرة بأسئلة معلقة تنتظر هذا النهار .

<17>

وقد التزمت " المصري اليوم " المستقلة بهذا السياق الآخر، مفتتحة صفحاتها بمانشيت تربط الأمس المباشر باليوم الراهن، من خلال تظاهرات انطلقت فعلاً في 24 يناير، باعتبارها : " بروفة مبكرة لـ " يوم الغضب ".. "12 مظاهرة في القاهرة والمحافظات للمطالبة بالتعيين ورفع الأجور والمكافآت " ، ثم عرضت سياقاً داعماً يشبه الاعتراف الدولي : " هيومان رايتس ووتش تنتقد استمرار قمع المعارضة والمظاهرات والصحافة فى مصر " ، وصولاً إلى إشهار انعدام الحل : "4 مواطنين يحاولون قتل أنفسهم .. و ( رئيس الوزراء ) نظيف : الانتحار ليس حلاً ". وعلى فكرة، إذا أتى عنوان الانتحار هذا محبطاً في " المصري اليوم " ، فقد أتى شبيهه في " الأهرام " أقل مأساوية، وأشد سريالية : " مشكلة البطالة الشغل الشاغل للحكومة، وحوادث الانتحار فردية وأسبابها شخصية ". لم الربط بين البطالة والانتحار، إذا كان التصريح يسعى لنفي وجود أي رابط بينهما؟ لقد بدا جلياً للعيان أن هناك من لم يعد يكترث لتماسك السياق الذي يرويه . ويأتي ذلك من عدم اكتراثٍ للقارئ، أي الشعب . وهذا سياق من سياقات 25 يناير .

<18>

فالصحف تحكي القصة كاملةً، بكلماتها الواضحة وبين أسطرها، بظاهرها وباطنها، بوعيها وبلا وعيها، وسمة المستقبل هي التخفّي . وقد قدّمت " الشروق " في ذاك اليوم، عنوانين إثنين يمكن للعائد إليهما من المستقبل، أن يقرأهما بعين العارف .
العنوان الأول تحمله القطعة الإخبارية الواردة مباشرة تحت المانشيت، وهو يقول : " الأخوان يشاركون بمظاهرات اليوم بعد اجتماعٍ سرّي وصلت تفاصيله للأمن ". في الخبر، يرد أن مرشد " الأخوان " عقد اجتماعاً سرياً للأمانة العامة للجماعة، لكن تفاصيل الاجتماع وصلت لرجال الأمن، فاستدعوا مسؤولي الجماعة في المحافظات، وهددوهم بالاعتقال والمواجهة العنيفة في حال المشاركة في التظاهرات .
لم يحضر عنوان حول مشاركة " الأخوان المسلمين " في تظاهرات الغضب، في الصحف القومية، على الرغم من إمكانية استخدامه في سياق التخويف من تظاهرات هذا اليوم . فالنظام شيّد علاقات مع عدوّه، واعتاد على التعامل معه، حتى بات متآخياً معه، مقتنعاً بإمكانيات التفاوض الدائمة التي تبدأ بالتهديد وتنتهي بكراسي البرلمان . لكن طرفي المعادلة لا يعترفان بوجودها، فكلاهما يفقد شرعية خطابه، إن أكّد علاقاته بالطرف الآخر، رغم وضوحها . واستمرار كليهما قام، بنظر كليهما، على أساس المفاوضة مع الطرف الآخر . ولذلك : الأمن يكتشف، والنظام لا يكشف، والصحف القومية لا تنشر . لم يحدث .

<19>

عندما حاول " الأخوان " اغتيال ناصر، جرّمهم فكراً وممارسةً، وسجنهم . وعندما مات ناصر، أعاد السادات النظر إلى عدوّه، وارتأى تحريره من قيوده، واستمالته إليه . وعندما اغتيل أنور السادات، كان حسني مبارك جالساً إلى جانبه . وبينما كان الأخواني خالد الإسلمبولي يركض باتجاه أنور وحسني مطلقاً نيرانه على صدر الرئيس، كان حسني ينظر إليه جيداً . في تلك اللحظة، عرف حسني كيف يحمي نفسه من رصاصة خالد التالية . لا حظر ناصر ألغاهم، ولا حرية أنور حمته . فأوجد حسني لنفسه مساحة في الوسط، تبقي قتلة الرئيس حزباً محظوراً، لكنها تتيح له التنفّس في هواء الحكم . الترغيب والترهيب . القمع، والمكتسبات . وبينما كان أنور ممدداً على الأرض، تملأ جسمه رصاصات عدوّه، امتلأت عيني حسني بالصورة المرعبة، بالمستقبل الذي يجب تفاديه، حتى غاب عنه أن ينظر إلى كامل المشهد، نسي حسني الناس، واستمد ثقته التامة بأمان نهار 25 يناير من استمرارية معادلة : أنا وعدوي . تلك الاستمرارية، ظنّها محنّطة، سها عنها، فنسي أنها تبدّل ناسها
ليس غريباً أن يكون رئيس مصر، بعد جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، " أخوانياً ". فهو نائب الرئيس الخفي، ظلّه الذي يتشاجر معه . وهو خليفته .

<20>

ثم يأتي العنوان الثاني اللافت في " الشروق " ليعلن نهايةً أخرى لمبارك في هذا النهار أيضاً : " الحكومة تبدأ إجراءات بيع أراضي توشكى بالمزاد العلني ". عشرات آلاف الفدادين من أحلام حسني مبارك بالخلود، يبدأ بيعها بالمزاد العلني، في جريدة اليوم الذي أعلن نهاية حكمه . هو مشروع استصلاح أراضٍ في الصحراء، بدأ التفكير به منذ أواخر الستينيات، وقرر مبارك أن يجعل لنفسه سياقاً أساسياً فيه، فيخلّد اسمه عبره، تماماً كما خلّد السد العالي لناصر اسماً، وتماماً كما خلّد العبور للسادات اسماً . يمتلك مبارك يداً في حرب أكتوبر، جعلها شريكة السادات في سبب خلوده، وأسماها " الضربة الجوية ". وها هو في أواسط التسعينيات يستصلح لنفسه أرضاً في الصحراء بالقرب من السد العالي، فينتمي إلى خلود ناصر أيضاً، وكان اسمها " توشكى ". لكن الفساد الذي أحاط بالمشروع، ونهب الأراضي وبيعها، بالإضافة إلى الصعوبة التقنية الهائلة في تنفيذه، أدّت إلى وقفه .
في أواسط التسعينيات، وفي يناير 1996 تحديداً، كانت كافة صفحات جريدة " الأهرام " ، تتمايل على أنغام صفارة بدء العمل في " توشكى ". وفي يناير 2011 ، أوردت " الشروق " في صفحتها الداخلية خبراً يفيد ببيع أراضي " توشكى " بالمزاد العلني، وبالسعي لجعل أوضاع المشروع الملتبسة قانونية .

<21>

تكفي قراءة صحف نهارٍ واحد للتفرّج على المشهد كاملاً . إن اقتطاع نهار من سياقه، والنظر إليه من مسافة زمنية، يؤكد للمرء أن كافة المعطيات كانت متوفرة، والنهاية والبداية . وزير الداخلية الذي طمأن الناس إلى العدو الغريب الذي فجّر كنسية القديسين، ها هو سجين، وواحدة من تهمه هي تفجير كنيسة القديسين . رئيس الوزراء أحمد نظيف الذي أكّد توفر 700 ألف وظيفة سنوياً للمصريين، سجينٌ أيضاً، بتهم فساد وسرقة وهدر المال العام . كافة الواردة أسماؤهم في عناوين الصحف القومية، إما سجناء أو هاربين . وها هو مبارك ورجاله يرفضون " التدخل الاجنبي في شؤوننا الداخلية " عقب إعلان أميركا قلها على الأقباط إثر التفجيرات، وها هي أميركا تصفق لخالعيه، بلا تردّد أو توجس . إذ لم تعد تجد في حليفها ما يبقيه فاعلاً في سياقها .

<22>

إنعنوان هذاالنص هو " قصةالأمس ". و " قصةالأمس " هوعنوان أغنية،كتب كلماتهاأحمد فتحي،نظم موسيقاهارياض السنباطي،وغنّتها أمكلثوم . وقدقالت فيها :

" أنا لن أعود إليك مهما استرحمت دقّات قلبي،
أنت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبي،
فإذا دعوتَ اليوم قلبي للتصافي .. لا، لن يلبي ".

<23>

بالأمس،كان الحب . وبالأمس،كانت القطيعة . واليوم،هو محطةٌفي سياقٍتسلكه القصصالتي ولدتونمت فيموقعٍ آخرمن الزمن،وستستمر فيسواه . هلستعود أمكلثوم لمسترحمٍآخر؟ هلستنأى بنفسهاعن أشباههفي الحب؟هل ستبحثعن حبٍآمن لايشبهه وبالتالييكون هوقد حددمعالمه؟ أمستنصرف لحبذاتها قليلاً،قبل أنيطرق آخرٌبابها، فتقيّمهبعين العائدةمن الحب؟

<24>

الماضي لا ينتهي، وقصة الأمس التي تروى اليوم، تأتي بالتأكيد متأخرةً عن الحدث، لكنها تحوي كافة أسبابه، وتخبر عن الخفي من تتماته، لمن يمعن النظر ولا يمتهن السرعة في الأمل، أو السرعة في اليأس .

<25>

فالأمل كما اليأس، عاطفةٌ عابرة في سياقٍ يفيض عن عمر الإنسان .

<26>

كلاهما عاطفةٌ تسعى لحصر الحدث بمدة حياةٍ واحدة، فيولد مع الأمل، أو ينتهي باليأس .. بينما الأجيال تتوالى على كتابة قصة واحدة، هي دائماً قصة الأمس التي تشي بالغد، كما الجريدة .


Author:

Sahar Mandour was born in 1977 in Beirut to a Lebanese mother and an Egyptian father. She studied psychology at St Joseph University in Lebanon. While studying, she went on to work as a journalist and has been an editor and journalist at Assafir Newspaper since 1998. Her work as a journalist focuses on subjects related to culture, youth issues, human rights and the arts. Mandour is the author of several novels, including 32 (Dar Al Adab Publishers, Beirut, 2010), Hobb Beiruti (A Beiruti Love) (Dar Al Adab Publishers, 2009) and Sa'arsom Najma Aala Jabeen Vienna (I'll Draw a Star On Vienna's Forehead) (La Cedetheque and Dar Al-Shorouq Publishers, 2007).

PSJ Metadata
Sahar Mandour
قصة الأمس
ar
CC-BY-NC-ND 3.0
Neuere Zeitgeschichte (1945-heute)
PDF document mandour_story_ar.doc.pdf — PDF document, 908 KB
S. Mandour, قصة الأمس
In: Proceedings of the Conference "Inverted Worlds: Cultural Motion in the Arab Region", Beirut, October 4–8 2012, Hg. Syrinx von Hees, Nadia von Maltzahn, Ines Weinrich (Orient Institute Studies, 2)
URL: https://prae.perspectivia.net/publikationen/orient-institut-studies/2-2013/mandour_story_ar
Veröffentlicht am: 16.08.2013 10:20
Zugriff vom: 17.09.2019 16:31
abgelegt unter: